معاناة كبيرة يعيشها الآلاف من أعضاء هيئة التدريس المعارين بالخارج، تنعكس تبعاتها على اقتصاد البلاد الداخلي والخارجي، وتوجيهات القيادة السياسية وليس فقط على حيواتهم الشخصية، فتتابعت عشرات المناشدات والاستغاثات على مكاتب رئيس الوزراء ووزيرة الهجرة ووزير التعليم العالي يستغيثون من جامعاتهم التي تصدر أذنا من طين وأخرى من عجين لمطالبات علماء مصر وقوتها الناعمة في الخارج.

الإعارات في الخارج


الأزمة تخص ما يتعلق بالإعارات بالخارج، والتي كان القانون فيما مضى يقضي بأن مدتها ١٠ سنوات فقط، ثم يعودون بعدها، وهو ما كان ينطبق سابقا على كل عدة فئات من ضمنها أعضاء هيئة التدريس بالجامعات، إلا أن مؤخرا وبدراسة الأوضاع الاقتصادية كان للقيادة السياسية قرارا مهما بفتح الإعارات للجميع دون تقييدها بمدة معينة، لما ينعكس على الاقتصاد من عملات صعبة تدخل الدولة بفضل تواجدهم في الخارج ودفع رسوم التأمينات والمعاشات وغيرها بالدولار علاوة على التحويلات المالية من الخارج، وكذلك تخفيف أعباء مالية هائلة إذا ما عادت تلك الأعداد الهائلة في ظل صعوبة الأوضاع المالية الحالية، وذلك باستثناء أعضاء الجهات القضائية والسلكين الدبلوماسي والقنصلي والشرطة والقوات المسلحة.

فكانت الدكتورة نبيلة مكرم قد تبنت قضية فتح الإعارات بالخارج منذ عدة سنوات، ولكن بعض الفئات ظلت مقيدة فيما يتعلق بالإعارات، حتى بدأت الحكومة تفكر من منظور المصلحة القومية خاصة بعد أزمة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والتبعات الاقتصادية التي تشهدها الدولة، واتخذت قرار جديد يفتح الإعارات بشكل أكبر، ونجحت وزيرة الهجرة في عرض فكرتها على مجلس الوزراء وتم بالفعل الموافقة عليها وصدر قرار رسمي في الجريدة الرسمية، لم يستثنى سوى أعضاء الهيئات القضائية والسلكين الدبلوماسي والقنصلي والشرطة وضباط وأفراد القوات المسلحة.

فأصدر رئيس الوزراء قرارا بناء على ما عرضته وزيرة الهجرة وشئون المصريين بالخارج يتضمن مد وتجديد الإعارات بدون حد أقصى، وتم نشره بالفعل في الجريدة الرسمية، وقامت الجهات المسئولة بتنفيذ القرار بمجرد صدوره، وحرصت وزيرة الهجرة الدكتورة نبيلة مكرم على الحديث عن الأمر بنفسها بالتفصيل في العديد من اللقاءات الإعلامية، وأكدت إنه يشمل أعضاء هيئة التدريس في الجامعات في لقائتها الإعلامية، وكشفت عن أهمية هذا القرار السيادي في إنعاش الاقتصاد داخليا وخارجيا.

تخبط وعدم تنسيق

إلا أن تذبذبا كبيرا وقع كشف عن التخبط الكبير وعدم التنسيق داخل الجامعات، وعدم الالتزام بتنفيذ قرارات القيادة السياسية، إذ تقدم عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس إلى جامعاتهم لمد فترات الإعارة بناء على القرار الصادر، لكنهم فوجئوا برفض طلباتهم شفاهيا بحجج مختلفة، فتارة لم يصلنا القرار وتارة أخرى لا ينطبق علينا وتارة يقال لهم أن ما قالته وزيرة الهجرة في تصريحاتها الإعلامية في كبرى البرامج عن انطباق شمول القرار لأساتذة الجامعات مجرد كلام إعلام ولن يطبق إلا بمخاطبات رسمية، وهذا ما حدث تحديدا في جامعة عين شمس، في الوقت الذي يسري فيه جامعات أخرى الأمر على أستاذتها، مثل جامعة القاهرة التي أعطت تعليمات شفاهية بالفعل بقبول طلبات مد الإعارات.


108ee00513.jpg

أما جامعة الأزهر فكانت صاحبة الموقف الأكثر وضوحا، وأعلنت رسميا قبول القرار السيادي وتنفيذه في جميع كلياتها، أما جامعتي جنوب الوادي والمنيا أصدروا تعليمات برفض تنفيذ قرار رئاسة مجلس الوزراء بحجة عدم وجود تعليمات، بينما المجلس الأعلى للجامعات لا نعرف موقفه من هذا التخبط ولا نعرف لماذا لم يصدر أي قرار رسمي يحسم الجدل الدائر.

أما عن موقف علماء مصر بالخارج فقد حرصوا فورا على إرسال عشرات الاستغاثات والمناشدات إلى رئاسة مجلس الوزراء ووزيرة الهجرة ووزير التعليم العالي، منتظرين أن يمد لهم المسئولين طوق النجاة ويضعون حدا حاسما لما يواجهونه من تعقيدات.

وطالب علماء مصر بإطلاق الإعارات والاجازات الخاصة لإعضاء هيئة تدريس بالجامعات ومراكز البحوث المصرية طبقا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1804 لسنة 2022 م، وناشدوا بالموافقة المباشرة والصريحة موجهة لرؤساء الجامعات، للحصول على أجازة لمن لديه فرصة أو تجديد الإعارة او الاجازة الخاصة للعمل بالخارج، وطالبوا أيضا بتطبيق تصريحات السيدة الدكتورة وزيرة الهجرة والعاملين بالخارج، المتضمن تأكيدها بإن أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية والمراكز البحثية مشمولين بهذا القرار كونهم من الهيئات الخدمية ولم يدرجوا ضمن الفئات المستثناة من تطبيق هذا القرار كما كان في القرار رقم 1459 لسنة 2018.

وأكدوا أن هذا القرار ينعكس على اقتصاد الدولة بشكل مباشرة في زيادة قيمة تحويلات المصريين العاملين بالخارج والتى تقدر بحوالي 35 مليار دولار سنويا والتى تدعم الناتج المحلى وخاصة فى ظل الظروف الحالية، وإعطاء الفرصة للدولة بخفض نسب البطالة من خلال الاستفادة من الدرجات المالية لمزيد من التعيينات، وتقليل الضغط على المرافق العامة من مدارس وطرق وكبارى ومنشئات أخرى، وكذلك الاستمرار لإيجاد آفاق للتعاون البحثى والتجارى مع الدول المستقبلة للكفاءات المصرية.

5f4c5ff581.jpg

فمثلا تحويلات دول الخليج فقط وصلت إلى 18.8 مليار دولار خلال العام المالي 2019 /‏ 2020، مقابل 17 مليار دولار خلال العام المالي 2018 /‏ 2019 بنسبة ارتفاع قدرها 10.5%، وكان نصيب المصريين بالمملكة العربية السعودية وحدها نحو 9 مليار دولار.

و تصديقا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن زيادة المتعاقدين أو الحقاظ عليهم بالخارج لن يتسبب في ضرر للمسيرة العملية أو التعليمية في الجامعات المصرية بينما عودتهم ستكبد الدولة مرتبات وتأمينات وتحرم مصر من التحويلات.